نسير بسرعة لنجتاز الزحام، أتقدمها بخطوتين أو ثلاثا في كل مرة ثم أعود للبحث عن وجهها وسط الوجوه.. تبتسم محرجة وتتحرك إلى جواري لكن دفق الأجساد يعيدها إلى الخلف ثانية.. في النهاية أمد يدي وألتقط يدها فتجفل، أشعر بارتعاشة يدها في يدي، كعصفور صغير تنتفض أناملها وسط كفي لكني لا أفلتها، أحاول أن أكون رقيقا حتى لا أسحق العصفور وحاسما حتى لا أطلقه!..
-يجب أن نسرع!..
أقولها وأحتضن كفها بقوة أكبر لأعدم مقاومتها الخفية، تتجاهل الأمر أخيرا وتترك يدها لتتأرجح في يدي.. دون أن تعترض، دون أن يتصلب وجهها وتضيق عيناها وتصرخ كما تفعل –دوما- في وجه حماقاتي، ودون أن أعتذر-هذه المرة- عن إحراجي لها بهذه الطريقة!..
نغادر الشارع الضيق إلى شارع أوسع فتفلت يدي.. استغرب هذا التحول المفاجئ في موقفها.. تتقاطع نظراتنا ولا نقول شيئا..
نقف في انتظار الإشارة الخضراء لنعبر الطريق إلى الرصيف المقابل.. أقترب منها فتدس يدها –بحركة تلقائية- في جيب سترتها وتنظر ناحيتي.. أكتم ضحكتي ولا أفلتها.. على وجهها ترتسم النظرة المعتادة وتضيق عيناها..
تتأخر الإشارة الخضراء وتقل السيارات فأدفعها برفق لنعبر الطريق.. نتبادل نظرة خرساء وأتقدم إلى الأمام، تتردد للحظات ثم تتبعني.. لم تكن لتفعل هذا لو لم تكن متأخرة..أتوقف وسط الطريق لتمر سيارة على بعد سنتمترات مني.. أشعر بجسدها يلتصق بي وبيدها تمتد بحثا عن يدي، ثم تمسكها!..
أبتسم ولا ألتفت ناحيتها.. نعبر الطريق إلى الرصيف المقابل وأفلت يدها قبل أن تفلتني هي!.. نمشي صامتين لأمتار، أحاول أن أسيطر على بسمتي لكني أفشل فتتحول إلى ضحكة كبيرة.. ألتفت أخيرا ناحية العينين الضيقتين، أحاول أن أقول شيئا فيتعثر لساني وفي النهاية أقول لها..
- متأسف!.