متأسف!

أكتوبر 30, 2009 بواسطة jamaliat

 

نسير بسرعة لنجتاز الزحام، أتقدمها بخطوتين أو ثلاثا في كل مرة ثم أعود للبحث عن وجهها وسط الوجوه.. تبتسم محرجة وتتحرك إلى جواري لكن دفق الأجساد يعيدها إلى الخلف ثانية.. في النهاية أمد يدي وألتقط يدها فتجفل، أشعر بارتعاشة يدها في يدي، كعصفور صغير تنتفض أناملها وسط كفي لكني لا أفلتها، أحاول أن أكون رقيقا حتى لا أسحق العصفور وحاسما حتى لا أطلقه!..

-يجب أن نسرع!..

أقولها وأحتضن كفها بقوة أكبر لأعدم مقاومتها الخفية، تتجاهل الأمر أخيرا وتترك يدها لتتأرجح في يدي.. دون أن تعترض، دون أن يتصلب وجهها وتضيق عيناها وتصرخ كما تفعل –دوما- في وجه حماقاتي، ودون أن أعتذر-هذه المرة- عن إحراجي لها بهذه الطريقة!..

نغادر الشارع الضيق إلى شارع أوسع فتفلت يدي.. استغرب هذا التحول المفاجئ في موقفها.. تتقاطع نظراتنا ولا نقول شيئا..

نقف في انتظار الإشارة الخضراء لنعبر الطريق إلى الرصيف المقابل.. أقترب منها فتدس يدها –بحركة تلقائية- في جيب سترتها وتنظر ناحيتي.. أكتم ضحكتي ولا أفلتها.. على وجهها ترتسم النظرة المعتادة وتضيق عيناها..

تتأخر الإشارة الخضراء وتقل السيارات فأدفعها برفق لنعبر الطريق.. نتبادل نظرة خرساء وأتقدم إلى الأمام، تتردد للحظات ثم تتبعني.. لم تكن لتفعل هذا لو لم تكن متأخرة..أتوقف وسط الطريق لتمر سيارة على بعد سنتمترات مني.. أشعر بجسدها يلتصق بي وبيدها تمتد بحثا عن يدي، ثم تمسكها!..

أبتسم ولا ألتفت ناحيتها.. نعبر الطريق إلى الرصيف المقابل وأفلت يدها قبل أن تفلتني هي!.. نمشي صامتين لأمتار، أحاول أن أسيطر على بسمتي لكني أفشل فتتحول إلى ضحكة كبيرة.. ألتفت أخيرا ناحية العينين الضيقتين، أحاول أن أقول شيئا فيتعثر لساني وفي النهاية أقول لها..

- متأسف!.

sappa!.. sapa

أكتوبر 5, 2009 بواسطة jamaliat

 

وتمضي الطفولة كنجمة تشق سماء العمر!.. لتسقط هناك.. كشهاب محترق خلف ثنايا الذاكرة..

أرض الحلم وزمن الأماني!..

3518198624_d689beae7c

ولازلت أتذكر ولعي الكبير بـ " sappa " الصندل البلاستيكي المشهور.. كنت أحب الصندل الأخضر لسبب لازلت أجهله حتى الساعة!.. مع سروال قصير وقميص من النوع المترهل المهترئ الغريب اللون (بسبب الغسل المستمر والمتكرر.. أو ربما هي الشمس تلك التي تتكفل بتغيير لونه من الأزرق الغامق إلى الأخضر.. ثم إلى الأصفر، فالأبيض!!..) وجوارب صفراء.. "أراك من بعيد" كما تسميها خالتي..

وكلما حملني الحنين إلى ذاك الكوكب البعيد.. أتذكر أيام الصيف الملتهبة في قريتي الصغيرة حيث منزل جدي.. والغارات على بساتين التفاح والعنب والرمان واللوز.. على أننا كنا نقدس هذين الأخيرين.. والويل كل الويل لمن يقع متلبسا بالجرم.. فتلك الشقاوة لم تكن شقاوة عادية أبدا.. كنا شياطين بالفعل.. فلا التأنيب ولا الشتم ولا الضرب ولا الجلد (في أحيانا كثيرة) يستطيع أن يوقف تلك الغارات.. كنا نقوم بها وقت العصر، الساعة الذهبية حيث ينزل النوم جميلا حلوا ليذيب تعب النهار وصهد الصيف ويداعب جفون الحراس..

والغريب أن الأفاعي والعقارب لم تكن لتخيفنا، بل على العكس.. كانت آخر هم يمكن أن يوقفنا.. فكم مرة جلبت أفعى إلى بيت جدي.. كنا نجدها أحيانا وأحيانا أخرى نبحث عنها.. وقد يصادف أن يلدغ عقرب أحدنا فنركض مع ركضه.. نشاركه الركض والصراخ والعويل حتى يصل إلى بيته.. فيقابله صراخ والدته وعويلها وركضها إلى المستشفى!

وطبعا كنا نختفي جميعا.. نسترق النظر من بعيد حتى تمر العاصفة، وفقط حين يعود منتحبا (البكاء هنا ليس بسبب السم ولا بسبب الحقنة طبعا).. فقط حين نطمئن لحاله تخرج رؤوسنا من مخابئها، تخرج هكذا مرفوعة كالأبطال لتحكي تفاصيل "الذي حصل"..

يتبع..

إنه المطر!..

سبتمبر 30, 2009 بواسطة jamaliat

 

إنه المطر..

3854863839_004930bcec

وكنت أكره المطر في صغري!!

ليتك تفعلين..

سبتمبر 29, 2009 بواسطة jamaliat

 

 3382535634_41dce51aae

ليتك مثلي تفعلين..

تحت النافذة تجلسين..

وقطرات المطر تراقبين..

وبي.. أنا.. تفكرين!

فئران راقصة

سبتمبر 23, 2009 بواسطة jamaliat

ولأن الفئران الراقصة غير موجودة في الواقع، فقد قررت أن تزورني في الحلم ذاك الصباح.. لكنها لم ترقص على إيقاع أغنيتي المفضلة، ربما لأنها لم تكن تجيد الرقص الشرقي ولم تستطع أن تهز بطونها المكورة الكبيرة، لهذا السبب قررت أن ترقص على أنغام أغنية من أغاني “إمينيم” الحانق دوما فراحت تضرب برؤوسها وترسم حركات نابية بأصابعها..

أخبرتها عن الحلم لعلها تنجح في تفسيره، لكنها لم تأبه بما قلت.. وحتى لا أسمع شكواها المتكررة، ولأنها قررت أن تخوض في موضوع آخر غير موضوع الفئران الراقصة، فقد زرعت في فمي قطعة جزر ورحت ألوكها مصدرا صوت المضغ المزعج ذاك..

ثم نسيت الأمر كعادتي لكنها، وكعادتها لم تنس.. وفي اليوم الثالث ووضعت أغنية لـ”إمنيم”.. ذات الأغنية التي أطربت الفئران في الحلم، وبعدها بدأت تتمايل وترسم أناملها ذات الحركات النابية وتضحك بعذوبة..

لم أشاركها جنونها، شعرت بالغصة في حلقي ووخزني إحساس عميق بالذنب فقمت لأحتضنها.. لقد أثبتت لي غير مرة أنها تبالي، بل وتهتم بكل هذا الهراء الذي أضخه في أذنيها، وقد تذكرت حلمي كما حكيته وبتفاصيله الدقيقة.. بينما كنت أنا، وبلامبالاة حقيقية، أتعمد تجاهلها!..

أدركت في تلك اللحظة كم كنت غبيا ظالما، فاحتضنتها بقوة أكبر.. وعرفت يقينا أنها استشعرت الأمر وفهمت أنها لم تكن مجرد حركة مجانية فتراخت في وقفتها وبترت ضحكتها، ثم سألتني بقلق حقيقي:

-ما بك؟

-لا شيء!!

-حقا؟

احتضنتها أكثر وأجبتها:

-بلى، رقصتك أحلى من رقصة الفئران!!

على قارعة الحياة..

اغسطس 25, 2009 بواسطة jamaliat

 

رفعَت وجهها ناحيتي وابتسمت ابتسامة رائقة سجنت بصري وجعلتني أرمقها لبعض الوقت.. إنها مومس، وهذه البسمة على وجهها إنما هي دعوة لطيفة للحاق بها.. فتاة بهذا الجمال تبيع جسدها مقابل دريهمات حقيرة!..

أنت يا سيدتي أميرة واللعنة على هذا الذل والفقر اللذان جعلاك هكذا  رخيصة!..

كل هذا البؤس.. هذا الشقاء الذي يلعق الحلاوة من أيامهن كما يلعق طفل مشاغب حبات السكر فيجعل الكعك بلا ذوق.. الجهل والفقر وضيق الحال.. الجوع الذي يعدم كل الأحلام، يقتل التعقل ويشنق كرامة النفس.. لكنه أيضا ما يمنح هذه المخلوقات قوة غريبة وقدرة على الاستمرار، على الوقوف في وجه هذه الحياة القذرة الكريهة..

أعرف هذا اللون القاتم.. وهذا الخجل من الذات، هذه الروح الكسيرة السجينة التي تطل من العيون الغائمة.. إن العار يغلف النفس، تسكنها هواجس كئيبة فتجعل بسمتها وضحكتها مجرد لحظة فرح تسرق من الزمن ثم تعيد الدين في ساعة أخرى.. دمعا وألما هذه المرة..

وهذا الجسد الهش الضئيل الذي يغلف روحها.. كشرنقة يحد مفاتنها.. يبرزها بوضوح لكن ليس بشفافية.. هذا الجسد الجميل منبع اللذة والمتعة لجيوب للآخرين بينما هو بالنسبة إليها عار مجسم.. دنس كريه يخنق روحا حالمة تريد الطهارة والتحرر.. ثياب العمل القذرة لو صح التعبير، لكن المختلف هو أنها تضطر لارتدائه أبدا!..

يا بحر

اغسطس 25, 2009 بواسطة jamaliat

mer

غبت عني حتى كاد الغبار يغطي أوراقي, وحكاياتي ذبلت كزهور منسية..

غاب القمر عن بحري ولم يعد يتنفس كما كان.. لا مد يكتب ولا جزر يمسح..

قلق الغد يمزق أوراقي المبتلة، وعذوبة الأمس تعذبني..

صعب أنت أيها البحر.. ألم تعد تعرف اسمي؟

هل محت أمواجك حروفي التي نقشتها على صدر صخورك؟

كيف تنسى؟..

كيف تنسى واليتم يضعني على رصف الأحزان؟.. أرتجف وأبكي وأحكي قصتي للأغراب..

ماذا تركت؟.. ماذا تركت يا بحر؟

الشوق الكثير والدمع الكثير والصمت المميت.. هذا كل ما تركت في أوراقي المبتلة فأتذكرك حين أقلبها..

اوراق

يوليو 20, 2009 بواسطة jamaliat

وجدت هذه الورقة وسط رواية قديمة كانت قد اهدتني اياها.. كانت علاقتنا في نهاياتها في تلك الفترة ولهذا لم ابالي بالرواية، حتى اني ركنتها وسط حاجياتي البالية..

الآن.. وبعد ست سنوات تقريبا.. وأثناء تخلصي من تلك الحاجيات وجدتها..

ويا ليتني لم أجدها..

ياليت!!

“ليس الحب أن تهديني الغالي والنفيس..

ليس الحب أن تسكنني في قصر من طوابق وخدم وحشم..

ليس الحب أن تحملني على فرس أبيض يجيد القفز حتى تجدني يوما هاوية من فوقه..

ليس الحب هذا كله.. الحب أبهى الكلمات وأنذر العطور..

الحب أن تتوجني بعينيك وتضعني وتحضنني داخل رموشك.. أن أكون قرة عينك.. أن تثق بي.. أن تدلني و تعلمني صميم الأشياء..

ليس الحب أن تعانقني وأعانقك..

ليس الحب أن تعبث بيدي وتسألني عن إحساسي تلك اللحظة، ليس هو القبل والكلام الذي ينتهي والنظرات التي تحمل ورائها رغبات شنيعة..

ليس الحب باقة من الورد.. ليس أن تغرقني بأموال الدنيا وتفرش لي الرحيق وتتوجني بإكليل من زمرد وذهب..

ليس الحب أن تراقصني على أوتار موسيقى العصر.. ليس أن ترافقني على شواطئ البحر أو تسمعني أشعارا تسرقها وتزيد في كلماتها.

الحب شمعة داخل إناء لن ينتهي منها خيطها ولا دموعها، كلما احترق تجمع وأخذ ليحترق مرة تلو أخرى ولن ينتهي إلا حين تصر على تغيير لونه..

الحب سحر تحسن استعماله في لحظات حنانك.. سحر يظهر على ملامحك حين تبتسم في وجه سخافاتي..

الحب هو أن ترشدني، أن تدلني وتفهمني صميم الأشياء.. علمني كيف أصنع السعادة.. أبعدني عن الحزن والشقاء..

حبيبي اعذرني لأني تسببت في قتل مشاعرك ولو لحظات.. سامحني.. إهمس لي باسمي يملأه الهناء والحنان.. أشعرني أنك رجل دون كل الرجال لأشعر أنني امرأة شاعرة دون كل الشاعرات..

إهمس لك بأحلى الكلمات، بأبهى تعبير وسأعطر بيتك بأحلى النغمات وسأغني لك بأوتار أصابعي..

لقد كان الحنان هدفي ومطلبي وعنواني الذي رغبت به منذ زمن بعيد، ولكن الحياة تسير عكس ما أشتهي.. أوشكت أن تعطيني ما أريد لكنها خدعتني وقهرتني وأسرتني وعادت لتسير معي يدا في يد..

أرجوك تغيري! سيري كما أريد.. خطوة خطوة لنبني طريقا تسير فيه قافلتي..

أرجوك!”

مع قبـ..

ف. ب.

الحزام

يوليو 20, 2009 بواسطة jamaliat

يجلدني أبي بحزامه، يتركني عاريا أرتجف في المرحاض..

هل يحق لي أن ألوم والدي؟

هل هو حقا السبب في انتكاستي وهزيمتي القاسية أم أن ما أجنيه ليس سوى لعنة أطلقها علي؟

من السخف حقا أن أتهمه بالأنانية مادمت كذلك بدوري.. والغريب أن هذا ما شجعني آلاف المرات على العصيان.. وربما كنت بذلك أزيد الحدود الشاسعة التي رسمتها بنفسي لنفسي في هذا البيت الذي يفترض أن أكون جزءا منه..

لقد نأيت بنفسي بعيدا ورسمت من حولي جدارا من العزلة.. نأيت عنهم بقدر ابتعادهم عني ورغبت أن يكون لي ذاك الوجود الطيفي الذي لا يمس ولا يرى..

وكلما دنا المساء دنت عذاباتي لأعود إلى هذا البيت الذي ما عاد مكانا مرحبا بي.. أصوم عن الكلام وأتخذ الركن مكانا لتعاستي وقلة حظي في هذا العالم..

لقد عشت ما يكفي لأدرك أنني مجرد دمية، دمية بلا إرادة.. دمية منحوها اسما وألبسوها ثيابا ورسموا على وجهها ملامح باهتة وعلقوا على شفاهها بسمة زائفة..

أنا لا أنتمي إلى هذا العالم وربما يكون فراري المحموم إلى أحلامي دليلا فاضحا على نفس كسيرة لا يد لها في كل ما يحدث من حولها.. لن أغير العالم أبدا، لن أمنحه شيئا ولن أنقص منه شيئا، وحياتي في نهاية الأمر إنما هي هدية لا أستحقها.. هبة منحتني الأيام إياها فأضعتها..

صغيرا كانت أحلامي كبيرة.. ثم أفقت ذات يوم ووجدت نفسي على هامش الرواية التي تخيلتها.. أحيانا أتمنى لو أن حياتي مجرد مسودة ركيكة فأعود ذات يوم وأنبش صفحاتها.. أغيرها.. أعيد كتابة سطورها بحبر أفضل.. أشطب بعض الأيام.. أمحو بعض الوجوه وأستبدل أسماء كثيرة ثم أخط نهاية أجمل.. لكني لن أقدر حتما فحكايتي في نهاية الأمر مجرد محاولة فاشلة لصنع إنسان..

لم تكن حياتي حلما ورديا بل هي سلسلة متلاحقة من الهزائم.. تعثر ثم سقوط.. محاولة للنهوض يليها سقوط أشد إيلاما.. ليصير همي الوحيد هو تخفيف ألم السقطة التالية..

..

يجلدني بحزامه، يسكب علي دلوا من الماء البارد ويتركني عاريا أرتجف في المرحاض..

أمد يدي إلى حزام أبي وألفه حول عنقي..

ساعة

يونيو 26, 2009 بواسطة jamaliat

-هات معصمك!..

تقاطع نظراتنا وعرفت سريعا أن هذه البراءة المصطنعة والبسمة اللزجة العالقة على شفتيه سرعان ما ستتحول إلى ضحكة شامتة أخرى حين ينجح في خداعي ثانية.. لم أكن أكرهه، محال أن أكره طفلا! لكن طبيعته العنيفة ونزعته السادية تزعجني..

منحته معصمي وكورت قبضتي الأخرى في انتظار “المقلب”.. عندها عض لحم يدي.. فجأة شعرت بصف أسنانه إذ تكمش اللحم وتتجاوزه إلى العظام!

رفع رأسه ناحيتي ومعصمي لا يزال عالقا في فكه فتقاطعت نظراتنا الباسمة.. ولما أفلتني أخيرا سألني ضاحكا:

-هل راقتك “الساعة”..