وتمضي الطفولة كنجمة تشق سماء العمر!.. لتسقط هناك.. كشهاب محترق خلف ثنايا الذاكرة..
أرض الحلم وزمن الأماني!..
ولازلت أتذكر ولعي الكبير بـ " sappa " الصندل البلاستيكي المشهور.. كنت أحب الصندل الأخضر لسبب لازلت أجهله حتى الساعة!.. مع سروال قصير وقميص من النوع المترهل المهترئ الغريب اللون (بسبب الغسل المستمر والمتكرر.. أو ربما هي الشمس تلك التي تتكفل بتغيير لونه من الأزرق الغامق إلى الأخضر.. ثم إلى الأصفر، فالأبيض!!..) وجوارب صفراء.. "أراك من بعيد" كما تسميها خالتي..
وكلما حملني الحنين إلى ذاك الكوكب البعيد.. أتذكر أيام الصيف الملتهبة في قريتي الصغيرة حيث منزل جدي.. والغارات على بساتين التفاح والعنب والرمان واللوز.. على أننا كنا نقدس هذين الأخيرين.. والويل كل الويل لمن يقع متلبسا بالجرم.. فتلك الشقاوة لم تكن شقاوة عادية أبدا.. كنا شياطين بالفعل.. فلا التأنيب ولا الشتم ولا الضرب ولا الجلد (في أحيانا كثيرة) يستطيع أن يوقف تلك الغارات.. كنا نقوم بها وقت العصر، الساعة الذهبية حيث ينزل النوم جميلا حلوا ليذيب تعب النهار وصهد الصيف ويداعب جفون الحراس..
والغريب أن الأفاعي والعقارب لم تكن لتخيفنا، بل على العكس.. كانت آخر هم يمكن أن يوقفنا.. فكم مرة جلبت أفعى إلى بيت جدي.. كنا نجدها أحيانا وأحيانا أخرى نبحث عنها.. وقد يصادف أن يلدغ عقرب أحدنا فنركض مع ركضه.. نشاركه الركض والصراخ والعويل حتى يصل إلى بيته.. فيقابله صراخ والدته وعويلها وركضها إلى المستشفى!
وطبعا كنا نختفي جميعا.. نسترق النظر من بعيد حتى تمر العاصفة، وفقط حين يعود منتحبا (البكاء هنا ليس بسبب السم ولا بسبب الحقنة طبعا).. فقط حين نطمئن لحاله تخرج رؤوسنا من مخابئها، تخرج هكذا مرفوعة كالأبطال لتحكي تفاصيل "الذي حصل"..
يتبع..


