أرشيف ‘منفضة سجائر’ التصنيف

الحزام

يوليو 20, 2009

يجلدني أبي بحزامه، يتركني عاريا أرتجف في المرحاض..

هل يحق لي أن ألوم والدي؟

هل هو حقا السبب في انتكاستي وهزيمتي القاسية أم أن ما أجنيه ليس سوى لعنة أطلقها علي؟

من السخف حقا أن أتهمه بالأنانية مادمت كذلك بدوري.. والغريب أن هذا ما شجعني آلاف المرات على العصيان.. وربما كنت بذلك أزيد الحدود الشاسعة التي رسمتها بنفسي لنفسي في هذا البيت الذي يفترض أن أكون جزءا منه..

لقد نأيت بنفسي بعيدا ورسمت من حولي جدارا من العزلة.. نأيت عنهم بقدر ابتعادهم عني ورغبت أن يكون لي ذاك الوجود الطيفي الذي لا يمس ولا يرى..

وكلما دنا المساء دنت عذاباتي لأعود إلى هذا البيت الذي ما عاد مكانا مرحبا بي.. أصوم عن الكلام وأتخذ الركن مكانا لتعاستي وقلة حظي في هذا العالم..

لقد عشت ما يكفي لأدرك أنني مجرد دمية، دمية بلا إرادة.. دمية منحوها اسما وألبسوها ثيابا ورسموا على وجهها ملامح باهتة وعلقوا على شفاهها بسمة زائفة..

أنا لا أنتمي إلى هذا العالم وربما يكون فراري المحموم إلى أحلامي دليلا فاضحا على نفس كسيرة لا يد لها في كل ما يحدث من حولها.. لن أغير العالم أبدا، لن أمنحه شيئا ولن أنقص منه شيئا، وحياتي في نهاية الأمر إنما هي هدية لا أستحقها.. هبة منحتني الأيام إياها فأضعتها..

صغيرا كانت أحلامي كبيرة.. ثم أفقت ذات يوم ووجدت نفسي على هامش الرواية التي تخيلتها.. أحيانا أتمنى لو أن حياتي مجرد مسودة ركيكة فأعود ذات يوم وأنبش صفحاتها.. أغيرها.. أعيد كتابة سطورها بحبر أفضل.. أشطب بعض الأيام.. أمحو بعض الوجوه وأستبدل أسماء كثيرة ثم أخط نهاية أجمل.. لكني لن أقدر حتما فحكايتي في نهاية الأمر مجرد محاولة فاشلة لصنع إنسان..

لم تكن حياتي حلما ورديا بل هي سلسلة متلاحقة من الهزائم.. تعثر ثم سقوط.. محاولة للنهوض يليها سقوط أشد إيلاما.. ليصير همي الوحيد هو تخفيف ألم السقطة التالية..

..

يجلدني بحزامه، يسكب علي دلوا من الماء البارد ويتركني عاريا أرتجف في المرحاض..

أمد يدي إلى حزام أبي وألفه حول عنقي..

الـ.. نزيف

يونيو 2, 2009

530323869_0301739031_mتتبع خيط الدم الأحمر على الرصيف فعلق بحذائه..

لم ينتبه إليه أحد ولم يبال به أحد ولم يره أحد على ما يبدو!.. ربما رأوه جميعا، ربما تجاهلوه جميعا كما يتجاهلون كل الأشياء الأخرى.. تحية الصباح المعطرة تجاهلها سائق السيارة الذي أقله، بسمته الرائقة تجاهلتها العجوز التي استقلت السيارة من بعده، مالذي تعنيه بسمته الغبية في زحام وجوه لا تعرفه؟.. حتى قبلة الصباح تتجاهلها زوجته ومنذ زمن.. حتى العناق الحار يتجاهله ابنه حين يفارقه أمام المدرسة..

النزيف على الرصيف، رآه وانتبه إليه ولم يتجاهله.. سار خلفه وحذائه القديم يطبع بصمة حمراء ناقصة على جانبي النزيف.

بلغ بائع جرائد أعمى وتأمل مجلة ألف أن يشتريها لزوجته.. المجلة معلبة كما العادة، ملفوفة في كفن شفاف، يحيط العفن الأخضر جوانبها.. الزهور على الغلاف سوداء وأخرى صفراء ذابلة، نتنة.. والفتاة وسط الصورة عارية، عارية قبيحة صلعاء!.

ثم انحنى على كتاب مدرسي وفتحه.. في الصفحة الأولى مدرس يغتصب طفلا، وتلميذ يرتب لفافات سجائر وسط أقلام ملونة، وفتاة تعلق قميص نوم على كتف وفي يدها تتأبط ذراع رجل ليس والدها!!.

أمامه اشترت سيدة جريدة فأدرك ما يحدث.. جريدته المفضلة تنزف كجثة تلقت آلاف الطعنات.. رغب في تحذير السيدة لكنه أحجم، في يدها القابضة على الجريدة رأى الدماء، دماء ثقيلة.. لجة.. قانية.. سوداء.. تقطر.. تقطر خيطا يتدلى فوق الأرض.. يلامسها فيطبع عليها قبلة دموية ثم يرتفع!..

اشترى الجريدة بدوره بحثا عن مصدر الدماء، وطنه جريح منذ زمن لكنه لم ينزف هكذا قط.. باعد يداه وفتح الجريدة حتى لا تلوث سترته.. في الجريدة خبر مؤلم عن حادثة سير، بحث في الصور.. لا، لم يكن يبحث عن وجوه يعرفها بين الضحايا، لم يكن يبحث عن جملة مثيرة يحلى بها كوب القهوة مع رفاقه في العمل، لم يكن يبحث عن هاتف نقال لم يسرقه مسعف بعد!..

كان يبحث عن مصدر النزيف..

فواكه.. خواضر.. وأشياء أخرى!..

مايو 25, 2009

001

“عرف إنتاج “الخواضر” انتعاشا مهما هذه السنة بفضل الله سبجانه وتعالى و الأمطار الغزيرة..”  يقولها المسئول في معرض حديثه عن الإنتاج الوافر الذي عرفه القطاع..

تتحول الخضر إلى “خواضر” بقدرة قادر، على اعتبار أن جمع الجمع توكيد وبيان للغزارة والكثرة.. وبقليل من التسامح يمكن تمرير الكلمة لأن المسئول ذو خلفية أكاديمية وثقافية أوربية، ولأنه ألف الحديث عن البواكر والحوامض والفواكه التي تتصدر على أنواعها صادراتنا إلى الخارج.. أنواع قليلة نعرفها وأنواع أكثر لم نرها قط وأخرى لا نملك ثمن شرائها، بل وحتى تلك التي تصل أسواقنا الممتازة بملصقاتها الأنيقة ليست سوى البضاعة المعادة من الخارج..

الفضل لا يعود إذن إلى السياسة الفلاحية “الناجحة” ولا لتأثير التجربة المغربية العريقة والتي بدأنا نصدرها إلى بلدان أخرى كالأردن.. بل إلى الله سبحانه وتعالى وأمطار الخير التي أنعم بها علينا!! وبقدر ما في العبارة من تواضع وصدق.. فهناك تبرأ!..

وبالحديث عن التبرأ.. فلا يزال المسئولون في ذات الوزارة يصرون “إلحاحا” على أن المغرب لم يسجل “بعد” أية حالة إصابة بأنفلونزا الخنازير على “ترابه الوطني”.. كما لو أن المغاربة يمتلكون مناعة طبيعية ضد أية أنفلونزا اللهم باستثناء أنفلونزا الانتخابات التي بدأت حماها تسقط الكثير من الرؤوس الساخنة!.. هذا في الوقت الذي يصرح فيه المسئولون في الجارة الإسبانية “وبجرأة” أن الفيروس وصل مدينة سبتة المحتلة!.

أوليست سبتة مدينة مغربية؟

وقد صدق عادل إمام حين قال أن العلم لا يكيل بالباذنجان.. العلم فعلا لا يكيل بالباذنجان!!

الكائنات الرمادية

مايو 7, 2009

2451846130_934ed95ca6_m1

الفراشات الرمادية لمن لا يعرفها هي فراشات لندن الرمادية!! وفراشات لندن الرمادية هي لمن لا يعرفها فراشات بيضاء منقطة بالأسود تعيش في بريطانيا والتي كفت عن التظاهر بأنها بيضاء فصارت رمادية..

لماذا صارت رمادية؟ لأنها وببساطة سلالة طافرة.. والجميل في الأمر هو أن السلالة الطبيعية تعيش في القرى بينما الطافرة تعيش في المدن الصناعية، فهكذا اضطرت الأخيرة لتغيير لونها لتتخذ من لون الجدران والجذوع الداكنة مخبئا حتى يتعذر على الطيور اقتناصها..

ما علاقة هذا بما أود قوله؟ نحن أيضا عندنا أناس لهم علاقة مباشرة بالموضوع.. ليست لهم علاقة بلندن! ولا بالفراشات! لكنهم يعرفون هذا اللون الرمادي جيدا..

المخلوقات الرمادية التي أتحدث عنها تنحدر من فصيلة أخرى.. والطفرة التي أتحدث عنها ليست طفرة طبيعية بل هي طفرة سياسية.. وهذه المخلوقات كالرمد الربيعي الموسمي تنشط فقط في مواسم الانتخابات حين تنضج الأصوات ويحين قطافها..

هذه المخلوقات لها قدرة عجيبة وغريبة على التكيف و”التحربن”- نسبة إلى الحرباء- والتمويه و تغيير جلودها بل وحتى قناعاتها وانتماءاتها السياسية لو دعت الضرورة.. لما لا والفضاء السياسي يعيش نوعا من العتمة والظلمة –وبالتأكيد ليست العتمة التي تسبق الفجر- ولهذا ترى فراشاتنا التائهة تبحث فقط عن أقرب قبس من النور يهديها إلى رفيقاتها حيث الدفء بعيدا عن أي حسابات منطقية أخرى..

وبعيدا عن التبجح بالوازع الأخلاقي الذي لا يعني شيئا بالمناسبة، فالمشكلة أن هذا يطرح أكثر من تساؤل عن نوعية هذا الولاء الذي يكنه المرشحون لأحزابهم بل ويخلق البلبلة لدى المصوت الذي يعرف يقينا أن تصويته لا علاقة له بالأجندة الحزبية لحزب المرشح ولا بأجندة المرشح نفسه..

أعتقد أن بلدنا هو الوحيد الذي يجيد هذه اللعبة السياسية الغريبة.. فترى هذه المخلوقات العجيبة تنشد أشعار هذا الحزب وتتبجح بالانتماء إليه بل وترتدي قميصه الملون غير عابئة بالرقم خلفه ولا ببرودة دكة الاحتياط لأن المقاعد الساخنة في الانتظار..

هذه هي الحرية الحقيقة والديمقراطية الحقيقية والممارسة السياسية الحقيقية! وهذه هي كائناتنا الرمادية!

وكقول أمين وجب ذكره هنا وحتى نكون منصفين، “لا داعي لاتهام هذه المخلوقات الرمادية المريضة بكونها سببا في تخلف العقل السياسي وشلل النخاع الحزبي..”

تقول الأسطورة أن العنقاء هي المخلوق الوحيد الذي يولد من الرماد.. ولكننا تعلمنا منذ زمن بعيد ألا نؤمن بالأساطير..