يجلدني أبي بحزامه، يتركني عاريا أرتجف في المرحاض..
…
هل يحق لي أن ألوم والدي؟
هل هو حقا السبب في انتكاستي وهزيمتي القاسية أم أن ما أجنيه ليس سوى لعنة أطلقها علي؟
من السخف حقا أن أتهمه بالأنانية مادمت كذلك بدوري.. والغريب أن هذا ما شجعني آلاف المرات على العصيان.. وربما كنت بذلك أزيد الحدود الشاسعة التي رسمتها بنفسي لنفسي في هذا البيت الذي يفترض أن أكون جزءا منه..
لقد نأيت بنفسي بعيدا ورسمت من حولي جدارا من العزلة.. نأيت عنهم بقدر ابتعادهم عني ورغبت أن يكون لي ذاك الوجود الطيفي الذي لا يمس ولا يرى..
وكلما دنا المساء دنت عذاباتي لأعود إلى هذا البيت الذي ما عاد مكانا مرحبا بي.. أصوم عن الكلام وأتخذ الركن مكانا لتعاستي وقلة حظي في هذا العالم..
لقد عشت ما يكفي لأدرك أنني مجرد دمية، دمية بلا إرادة.. دمية منحوها اسما وألبسوها ثيابا ورسموا على وجهها ملامح باهتة وعلقوا على شفاهها بسمة زائفة..
أنا لا أنتمي إلى هذا العالم وربما يكون فراري المحموم إلى أحلامي دليلا فاضحا على نفس كسيرة لا يد لها في كل ما يحدث من حولها.. لن أغير العالم أبدا، لن أمنحه شيئا ولن أنقص منه شيئا، وحياتي في نهاية الأمر إنما هي هدية لا أستحقها.. هبة منحتني الأيام إياها فأضعتها..
صغيرا كانت أحلامي كبيرة.. ثم أفقت ذات يوم ووجدت نفسي على هامش الرواية التي تخيلتها.. أحيانا أتمنى لو أن حياتي مجرد مسودة ركيكة فأعود ذات يوم وأنبش صفحاتها.. أغيرها.. أعيد كتابة سطورها بحبر أفضل.. أشطب بعض الأيام.. أمحو بعض الوجوه وأستبدل أسماء كثيرة ثم أخط نهاية أجمل.. لكني لن أقدر حتما فحكايتي في نهاية الأمر مجرد محاولة فاشلة لصنع إنسان..
لم تكن حياتي حلما ورديا بل هي سلسلة متلاحقة من الهزائم.. تعثر ثم سقوط.. محاولة للنهوض يليها سقوط أشد إيلاما.. ليصير همي الوحيد هو تخفيف ألم السقطة التالية..
..
يجلدني بحزامه، يسكب علي دلوا من الماء البارد ويتركني عاريا أرتجف في المرحاض..
أمد يدي إلى حزام أبي وألفه حول عنقي..
تتبع خيط الدم الأحمر على الرصيف فعلق بحذائه..
