لأن من أحبها، تتجاهل حبي لها..
قلت لكل رفاقها..
أنا فقط صديقها.
أحبك.. أحبك.
ما جدوى أن أقولها، إن كنت تعرفينها..
ما نفع وضع وردة في كوب بعد قطفه..؟ا
ألم نقم بقتلها؟.
لأن من أحبها، تتجاهل حبي لها..
قلت لكل رفاقها..
أنا فقط صديقها.
أحبك.. أحبك.
ما جدوى أن أقولها، إن كنت تعرفينها..
ما نفع وضع وردة في كوب بعد قطفه..؟ا
ألم نقم بقتلها؟.
منحتها الحلوى لكنها لم تأخذها من يدي الممدودة ناحيتها، طفلة في السابعة أو السادسة من عمرها..
لماذا أجد هذه الصعوبة الكبيرة في تحديد عمرها؟..
-ألا تريدين الحلوى؟
-لا!..
-لماذا؟
تتوقف عن مضغ إبهامها.. تقول لي:
-حذرتني أمي من الشبان أمثالك..
-أمثالي؟
-أجل. أنت تريدني أن أتناول الحلوى فتخدرني، وبعدها..
-وبعدها ماذا؟
ويبتسم فمها بتعبير كريه..
-.. وبعدها تغتصبني!..
منحتها الحلوى لكنها لم تأخذها من يدي.. طفلة في السابعة أو السادسة على ما يبدو.. لماذا أجد هذه الصعوبة الكبيرة في تحديد عمرها؟..
استلقيت جوارها على السرير..
أول شيء فعلته لما عدت إلى الدار هو أن تبولت على السور القصير كالعادة.. النبتة تحت السور قررت أن تجف لأنها لم تعد تتحمل إفرازاتي القذرة!.. سحليتي العزيزة تدخل من النافذة وتتسلق الجدار وتتوقف على بصمة الصندل..
-أنت لم تقتلها إذن!..
تصرخ وتشير إلى السحلية.. تناولني صندلها فأرمي السحلية وأتعمد أن أخطئها وأرسم بصمة ثانية جوار البصمة القديمة بينما تفر سحليتي العزيزة هاربة..
-يجب أن تفعل شيئا!..
-سأفعل..
-ماذا ستفعل؟
-سأفعل شيئا..
أجيبها بنفاذ صبر وأدفن وجهي تحت الوسادة..
-أنت لا تفعل شيئا!..
ثم تتذكر أمرا وتقول لي:
-النبتة تحت السور.. “نبتتي!”..
وأدفن وجهي أكثر..
-ما بها نبتتك؟..
-لا أدري.. إنها تذبل رغم عنايتي بها، وأخشى أن تجف!
وأدفن وجهي..أكثر!.

ألفت أن أطل على مدونتها خلسة، وهذه المرة توقفت أمام الصفحة حيث علقت صورتها.. صورة بالأبيض والأسود.. ذات الصورة التي التقطناها معا، أيام كنا معا. لا يزال طرف قميصي الأسود يطل خلف ساعدها، ولو انزاح خط القص لسنتمترات قليلة لظهرت كفي التي تحتضن كفها.. لكنها لم تكن هناك- وللأسف- كفي!..
وحتى تتخلص من يدي بترت يدها!..
كانت الصورة معي حين كنا معا ولما افترقنا طلبت الصورة فأرسلتها عبر البريد.. تلك كانت أول رسالة بيننا، وآخر رسالة!.. في الرسالة وضعت الصورة، بل نصف الصورة حيث يدها تحتضن كفي المبتورة.. بترت معصمي حتى أتخلص من يدها.. ذيل ثوبها محوته من النصف خاصتي، حتى ظلها العالق على الأرض جوار ظلي، محوته..
-وأين بقية الصورة؟
متهكما أضفت الرد تحت “الصورة”، وبعد دقائق جاءتني الإجابة..
“ربما ضاعت في البريد!”.. متهكمة ردت.
تتبع خيط الدم الأحمر على الرصيف فعلق بحذائه..
لم ينتبه إليه أحد ولم يبال به أحد ولم يره أحد على ما يبدو!.. ربما رأوه جميعا، ربما تجاهلوه جميعا كما يتجاهلون كل الأشياء الأخرى.. تحية الصباح المعطرة تجاهلها سائق السيارة الذي أقله، بسمته الرائقة تجاهلتها العجوز التي استقلت السيارة من بعده، مالذي تعنيه بسمته الغبية في زحام وجوه لا تعرفه؟.. حتى قبلة الصباح تتجاهلها زوجته ومنذ زمن.. حتى العناق الحار يتجاهله ابنه حين يفارقه أمام المدرسة..
النزيف على الرصيف، رآه وانتبه إليه ولم يتجاهله.. سار خلفه وحذائه القديم يطبع بصمة حمراء ناقصة على جانبي النزيف.
بلغ بائع جرائد أعمى وتأمل مجلة ألف أن يشتريها لزوجته.. المجلة معلبة كما العادة، ملفوفة في كفن شفاف، يحيط العفن الأخضر جوانبها.. الزهور على الغلاف سوداء وأخرى صفراء ذابلة، نتنة.. والفتاة وسط الصورة عارية، عارية قبيحة صلعاء!.
ثم انحنى على كتاب مدرسي وفتحه.. في الصفحة الأولى مدرس يغتصب طفلا، وتلميذ يرتب لفافات سجائر وسط أقلام ملونة، وفتاة تعلق قميص نوم على كتف وفي يدها تتأبط ذراع رجل ليس والدها!!.
أمامه اشترت سيدة جريدة فأدرك ما يحدث.. جريدته المفضلة تنزف كجثة تلقت آلاف الطعنات.. رغب في تحذير السيدة لكنه أحجم، في يدها القابضة على الجريدة رأى الدماء، دماء ثقيلة.. لجة.. قانية.. سوداء.. تقطر.. تقطر خيطا يتدلى فوق الأرض.. يلامسها فيطبع عليها قبلة دموية ثم يرتفع!..
اشترى الجريدة بدوره بحثا عن مصدر الدماء، وطنه جريح منذ زمن لكنه لم ينزف هكذا قط.. باعد يداه وفتح الجريدة حتى لا تلوث سترته.. في الجريدة خبر مؤلم عن حادثة سير، بحث في الصور.. لا، لم يكن يبحث عن وجوه يعرفها بين الضحايا، لم يكن يبحث عن جملة مثيرة يحلى بها كوب القهوة مع رفاقه في العمل، لم يكن يبحث عن هاتف نقال لم يسرقه مسعف بعد!..
كان يبحث عن مصدر النزيف..

أخذني والدي إلى المدرسة ذات صباح، كنت ألعب بالتراب قدام الدار كالعادة حين جرني من يدي بحالي القذرة تلك.. قدمني إلى المدرس واختفى بعدها لأجد نفسي أخيرا في الفصل الذي طالما حلمت به.. ورغم تأخري في الالتحاق بالمدرسة ـ ثلاثة أشهر ـ إلا أنني تمكنت من اللحاق بالمقرر وبعد أن ضقت ذرعا بمشاركة زميلي كراساته وكتبه أجبرت والدي أخيرا على اقتناء الكتب خاصتي..
المشاكل ظهرت في العام التالي عندما التحقت بـ”زملائي” في القسم الثاني ابتدائي لأفاجأ بزيارة من المدير شخصيا، ويطلب مني أن أعود وألتحق بالقسم الأول ابتدائي!! ويخبرني وبكثير من التفهم أني كنت وطوال العام الأول مجرد “مستمع”!!
و”المستمع” هو تلميذ غير نظامي، أي “متعلم” -مع تسكين الحروف كلها- كما في ورشات إصلاح السيارات.. نوع من اكتساب الخبرات والتعود على الأجواء الدراسية وجس نبض الحياة العملية!
كان هذا يحدث في القرى غالبا، حين كانت المدرسة مدرسة، والمدرسون رائقي البال، وكانت المقاعد تسع الجميع، وكان التلاميذ غير مضطرين لدفع ضريبة التأمين المدرسي وكأنهم ذاهبون إلى ورشة نجارة!
وهكذا وجدت نفسي مع كتبي البالية القديمة ومحفظتي الممزقة، وهذا بالتأكيد أرحم من الإشاعة التي أطلقها الجميع في المدرسة.. الإشاعة تقول أنني “رسبت”!!
كانت تلك الأيام جحيما!!
يتبع
وجالسا بانتظار الباص في تلك الساعة المبكرة من الصباح، اقتربت منه دورية الشرطة.. ابتسم بسعادة لأنه كان خائفا بالفعل وقد أقلقته فكرة الجلوس وحيدا..
وتحسس جيبه حيث بطاقته الوطنية..
ولما نزل الشرطي وسأله عما يفعله أجاب بنفس السعادة أنه ينتظر الباص ليلتحق بعمله.. ثم خفتت سعادته حين طلب منه الشرطي أن يصعد إلى السيارة حتى يحققوا معه في المخفر..
وأخرج المسكين بطاقته الوطنية من جيبه لكن هذا لم يمنع صعوده إلى السيارة من أجل التحقيق معه في المخفر!
وعندما صعد إلى السيارة ألقى بطاقته الوطنية من النافذة!!

“عرف إنتاج “الخواضر” انتعاشا مهما هذه السنة بفضل الله سبجانه وتعالى و الأمطار الغزيرة..” يقولها المسئول في معرض حديثه عن الإنتاج الوافر الذي عرفه القطاع..
تتحول الخضر إلى “خواضر” بقدرة قادر، على اعتبار أن جمع الجمع توكيد وبيان للغزارة والكثرة.. وبقليل من التسامح يمكن تمرير الكلمة لأن المسئول ذو خلفية أكاديمية وثقافية أوربية، ولأنه ألف الحديث عن البواكر والحوامض والفواكه التي تتصدر على أنواعها صادراتنا إلى الخارج.. أنواع قليلة نعرفها وأنواع أكثر لم نرها قط وأخرى لا نملك ثمن شرائها، بل وحتى تلك التي تصل أسواقنا الممتازة بملصقاتها الأنيقة ليست سوى البضاعة المعادة من الخارج..
الفضل لا يعود إذن إلى السياسة الفلاحية “الناجحة” ولا لتأثير التجربة المغربية العريقة والتي بدأنا نصدرها إلى بلدان أخرى كالأردن.. بل إلى الله سبحانه وتعالى وأمطار الخير التي أنعم بها علينا!! وبقدر ما في العبارة من تواضع وصدق.. فهناك تبرأ!..
وبالحديث عن التبرأ.. فلا يزال المسئولون في ذات الوزارة يصرون “إلحاحا” على أن المغرب لم يسجل “بعد” أية حالة إصابة بأنفلونزا الخنازير على “ترابه الوطني”.. كما لو أن المغاربة يمتلكون مناعة طبيعية ضد أية أنفلونزا اللهم باستثناء أنفلونزا الانتخابات التي بدأت حماها تسقط الكثير من الرؤوس الساخنة!.. هذا في الوقت الذي يصرح فيه المسئولون في الجارة الإسبانية “وبجرأة” أن الفيروس وصل مدينة سبتة المحتلة!.
أوليست سبتة مدينة مغربية؟
وقد صدق عادل إمام حين قال أن العلم لا يكيل بالباذنجان.. العلم فعلا لا يكيل بالباذنجان!!
أفاق حسن مبكرا صباح اليوم، في الشارع تظاهرة من أجل المطالبة بفك الحصار على غرة، حسن لا يفهم الكثير لكنه يعرف أن غزة في فلسطين وأن فلسطين أرض عربية.
في كل مظاهرة.. في جميع المظاهرات.. في أي مظاهرة: هناك ذيل.. السائرون خلف المتظاهرين، هؤلاء الذين يعلنون صراحة أنهم هنا لأنهم ليسوا في مكان آخر..
حسن ورفيقته سلمى وآخرون يتذيلون المظاهرة، يروون نكتا سخيفة ويضحكون.. أخبرته سلمى أن مارسيل خليفة مسيحي وأن ياسر عرفات مسيحي! كل هؤلاء الذين يعرف أنهم سطروا تاريخ فلسطين مسيحيون! وفلسطين أرض عربية!..
الأخوة في المقدمة يناقشون الموضوع بحماس مبالغ فيه.. يتحمس حسن.. يعلق.. يلقي رأيا سيئا.. يسأله أحدهم:
-هل تعتبر نفسك عربيا؟
يصارحه:
-لا، أنا أمازيغي!
-لماذا تهمك فلسطين إذن؟
-لأني مسلم..
-تدخن الحشيشة؟
يصارحه:
-نعم أدخن.. لكني مسلم!
-تصلي؟
يصارحه:
-لا أصلي، لكني مسلم!
-تعاشر النساء؟
يصارحه:
-نعم!. سأفعل هذا بالتأكيد!..
-لست مسلما إذن!
يخدعه حسن:
-لكني عربي..
-أنت تخدع نفسك يا فتى: أنت أمازيغي!.
فلسطين عربية وحسن أمازيغي! حسن يعتقد أنه من العسير جدا أن يفهم موقفه الحقيقي:
حسن يعرف يهودا يسكنون الملاح، تجار: يبيعون الحلي الفضية وأواني النحاس.. درس مع بعضهم في المدرسة.. إنهم طيبون!.
حسن لا يعرف فلسطينيا واحدا: يراهم في التلفاز يقتلون ويصابون.. يصرخون ويستنجدون بنا!.
المشكلة الحقيقية هي أن حسن لا يثق بالتلفاز.. رجل صدمته سيارة في الشارع قدام السوق: رآه حسن وتقيأ.. أضرب عن الطعام.. لم ير النوم ليال طويلة.. تهاجمه صورة الرجل في كل مرة!
ممثل كوميدي يهودي من أصل مغربي يتحدث عن جذوره الشرقية!.
شارك حسن في المظاهرة، حصل على أوشحة فلسطينية من أحدهم، نقوشها سوداء: الكل يقول أن السوداء أجمل.. وأن الحمراء لا ترمز لفلسطين بل لبلدان الخليج العربي..
باع حسن خمسا وعشرين وحصل على زاده من الحشيشة لأسبوعين قادمين! هكذا يستطيع أن يدعو سلمى لشرب عصير التفاح..